القاضي النعمان المغربي
97
تأويل الدعائم
أحسن عبادة ربه ونصح سيده ، ورجل عفيف متعفف ذو عيال ؛ وأول من يدخل النار أمير مسلط لم يعدل ، وذو ثروة من المال لا يعطى حق ماله ، ومقتر فاجر . فهذا في الظاهر يكون كما جاء الخبر فيه لمن فعله في الظاهر ، تأويله في الباطن أن الشهيد إمام الزمان الشاهد على أهل زمانه ، ومن ذلك قول اللّه جل ثناؤه لمحمد رسوله ( صلع ) : « فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً » « 1 » وقال : « وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » « 2 » فالأنبياء شهود على أهل زمانهم والأئمة من بعدهم كذلك شهود على أهل زمانهم ، كل إمام منهم شاهد على أهل زمانه ، ولا يجوز أن يقال شاهد على شيء لم يشهده ؛ فأول من يدخل الجنة من أهل كل زمان إمامهم الشاهد عليهم هو يقدمهم فيتبعه أتباعه في الدنيا الصالحون ، وقوله عبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح سيده ؛ فالعبد المملوك في الباطن هو المؤمن الّذي ملك أمره إمام زمانه فتعبد لإمامته وطاعته ومعرفته له فأحسن عبادة اللّه ربه الّذي أمره إمامه بها ونصح لإمامه ، وقوله رجل عفيف متعفف ذو عيال ؛ فالرجل في التأويل الباطن كما ذكرنا فيما تقدم هو المفيد الّذي يفيد من دونه من المؤمنين وعفته وتعففه تورعه عن محارم اللّه عز وجل وطاعته لإمام زمانه وامتثاله أمره ؛ فأما قوله ذو عيال : فعيال الرجل في الباطن أهل دعوته ، والرجل في الباطن هو الداعي كما ذكرنا ؛ فهؤلاء أول من يدخل الجنة أولا من أهل كل عصر ؛ إمامهم ودعاتهم وعبادهم ويتلوهم أتباعهم من بعدهم كما كانوا يكونون كذلك في الدنيا لو ساروا مسيرا ودخلوا موضعا لا يتقدمهم إلا الأفضل فالأفضل منهم ، وقوله أول من يدخل النار أمير مسلط لم يعدل فالأمير كل من أمر على القوم وقدم عليهم في أمر دين أو أمر دنيا فإذا هو لم يعدل في ذلك والعدل العمل بالحق فقد ضل ، واللّه عز وجل يقول : « فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ » « 3 » والضالون في النار ، وأولهم دخولا لها رؤساؤهم ويتبعهم من بعدهم أتباعهم في الدنيا على ضلالهم ، وقوله ذو ثروة من المال لا يعطى حق ماله ؛ فالمال في التأويل كما ذكرنا مثله مثل العلم ، فإذا كتم العالم علمه عمن يستحقه فقد منعه حقه ومن منع الحق فقد ضل والضّال في النار ؛ ومن ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله : من كتم علما يعلمه
--> ( 1 ) سورة النساء : 41 . ( 2 ) سورة الزمر : 69 . ( 3 ) سورة يونس : 32 .